لم تتعرَّض الهُوِيَّة الفِلَسْطِينيةِ، على مدار الأزمنة والقرون المتعاقبة منذُ فَجْر التاريخ الموسومِ بانبثاق الحضارة الإنسانية الأولى في بلاد الشام ورحاب فلسطين، لمثل ما تتعرَّض لهُ ، الآنَ، من تهديد فَادحٍ يستهدف تشظيتها وتفتيتها إنْ هو لم يتمكَّن من أخذها إلى نقيضها. وليس هذا التهديد بمنطوِّ على مفارقةٍ تتأسَّس على ما قد سجَّلته الهُوية الفلسطينية لِنَفْسها، وللإنسانية بأسرها، من قدرة على مقاومة التهديد الآتي من الخارج وهزيمته، في مُقَابلِ ما سجَّلته على نَفْسِها، وإضراراً بالقيم الإنسانية المُشتركة، من تقصير فادح في مواجهة التَّهديد الدَّاخلي مُجَسَّداً بأصولية متطرِّفة توظِّف ديناً مصطنعاً لتحقيق غاياتٍ سياسية غير وطنية أبداً، ومدعوماً، بلا ريب، من خارجٍ هَدَّد هذه الهُويَّة فأعجزِته مقاومتها عن تحقيق أهدافه، وذلك لأنَّ البيوت لا تُهدمُ، والقلاع لا تنهار، والأوطان لا تتفكك، إلا باستهداف هُوِيَّاتِ بُنَاتها وقاطنيها من أحرار البشر ذوي الضَّمائر والعُقُول، والتَّعويل على فَاقِدي كليهما من أولئكَ المُسْتَعْبَدِينَ- المُسْتَبِدينَ من النَّاس!

وعلى الرَّغم من ذلك، وتأصيلاً لحقيقة أنَّ الهُوية الفلسطينية قادرةٌ على استعادة قدرتها على مواجهة ما يستهدفها من داخلها، فإننا نُعيد تأكيد استنتاجٍ مًؤصَّلٍ مؤداه أنَّ الهوية الفلسطينية ليست هويةً إشكالية تتعارض فيها مكونات الثَّقافة مع خصائص الهوية الوطنية - القومية والإنسانية، فالهوية الفلسطينية المعاصرة المؤسَّسة على ثقافة إنسانية عريقة، والطالعة من معاناة القهر ومساعي التهميش والطمس والإلغاء، والتي أعادت إنتاج نفسها عبر مسيرة نضالٍ وطنيِّ تحرُّريٍّ شاق وعنيد، قد حصَّنت نفسها، باستنهاض ما اختزنته جذورها الثقافية العريقة، من السُّقوط فيما نهضت لحماية نفسها منه ومقاومته، ولذلك فهي تتأسس على عمق ثقافيِّ منفتحٍ على ثلاث جهات هي: التاريخ الفلسطيني الموغل في القدم؛ معطيات الحاضر الموسوم بالنضال التَّحرُّري؛ وممكنات المستقبل المفتوح على استعادة القدرة على المشاركة في صنع الحضارة الإنسانية، وذلك في تواشجٍ متصل مع نهوض هذه الهوية، أولاً وقبل كلِّ شيء، على رؤى مستنيرة، وعلى مبادئ إنسانية متفتحة، وعلى قيمٍ ومعايير تحترم الإنسان، وتحمي حقوقه وحرياته جميعاً.

وبهذا المعنى، فإنَّه لا بدَّ لأيِّ تفحُّصٍ موضوعيٍّ يتقصَّد تعرُّف مصادر مكونات الثقافة الفلسطينية، ومكوناتها جميعاً، منذ ما قبل الألف الثالث قبل الميلاد حتَّى يومنا هذا، إلا أنْ يصل إلى خلاصة مؤداها أنَّ هذه الثقافة، كما الهوية التي تأسَّست عليها، لا تضمُّ أي مقدارٍ، مهما ضَئُل، من التَّطرُّف أو التوجه الشوفيني الممقوت الذي يتوخَّى بناء الثقافة والهوية القومية (الأمة) والدَّولة على أساس من الصفاء العنصري (أو العرقي)، أو على الطابع الدِّيني أو العسكري، أو المعادي لأي عرق من الأعراق (فكرة الدولة اليهودية - العبرية أو فكرة مُعَاداة السَّامية مثلاً!!!)، ففي مثل هذا التَّوجه سعيٌّ إلى تضييق هُوية الشَّعب أو الأمة وحصرها في مكونات ثقافية ضيقة، أو في ثقافة مغلقةٍ لا تطيق التعدُّد وتضيق بالتَّنوع، وتتأسَّس على رؤية شوفينية عنصرية استبدادية إقصائية إلغائية غير متسامحة تسعى إلى تضخيم الذَّات فيما هي تقصر مكوناتها على عناصر ترتدُّ إلى عرقٍ وحيد، أو ديانة مفردة، أو معتقد مغلق على من يُفترض أنهم أتباعه (الأنا الطائفية، أو القومية، أو المذهبية، أو العرقية، أو غير ذلك من أَنَاتٍ مُغْلقاتٍ على نفسها).

ولكنَّ القدرة الذّاتية التي امتلكتها الثقافة الفلسطينية على نحوٍ أهلها لبناء هويةٍ تخلُصُ من العنصرية وضيق الأفق والانغلاق وعدم التسامح، لم تكن لتكفل لهذه الثقافة، بعد أنْ تعرَّض أصحابها للاقتلاع من وطنهم أو العيش في محيطٍ غريب عليهم، أنْ تخلو من عناصر ومكونات سلبية أثقلتها، أو حالت دونها والانطلاق الحرِّ في مسار صيرورة تُجدِّدها، وتجعلها قادرة على خلق هُوية فلسطينية لا تحمل آثار الحروق والجراح الناجمة عن استهداف فلسطين: وطناً وإنساناً وثقافة، بخطر الاغتصاب والإلغاء والانتهاك والطمس من قبل الغزوة الصهيونية المحكومة بثقافة عنصرية مغلقة على نفسها، ومفتوحة على إلغاء الآخر.

إنَّ تخلُّق الهوية الفلسطينية المعاصرة في مرجل كابوس الاقتلاع من الأرض والنَّفي بعيداً عن الوطن أو فيه، وفي سياق المواجهة العنيدة للغزوة الصهيونية، إنما يتطلَّب بذل ما يكفي من الجهد الهادف إلى إعادة تعريف هذه الهوية عبر مراجعة مكوناتها لاستئصال ما هو غير أصيل فيها؛ فقد كان لتعرُّض هويتنا للتهديد أنْ يستنهض، ضمن ما استنهضه من مقومات وطاقات دفاعية، موقفاً نكوصياً ارتدادياً قائماً على استجابةٍ هي أقرب ما تكون إلى ردة فعل غير سَويَّة تَتَوخَّى حمايةَ الهُوِيَّة من الأخطار التي تُحدق بها وتُهدِّدها، فتعجزُ عن فعل ذلك بل لعَلَّها تُسْهمُ، عن تقصُّدٍ أو عن غفلة وانغلاق عقل، في تعزيز ذلك التَّهديد عبر إذابة الهويَّة الوطنيَّة في هُويَّاتٍ مصطنعةٍ أو موهومةٍ، ولا نقول مُتخيَّلة، قد تأخذها إلى نقيضها!

وعلينا، في سياق إدراك مؤسِّسات هذا الموقف النكوصي، أو مؤسِّسات الموقف الهروبي الذي يُقابله، أنْ نواصل قراءة هويتنا ومساءلتها وإعادة تأويلها، عبر تفحُّص جسدها الذي تعرَّض، ولا يزال يتعرَّض، لكابوس متواصل يتقاذفها ما بين هاويتين بلا قاع أو قرار: هاوية الاستلاب، وهاوية الهُروب: إنَّ الذَّهاب إلى الماضي والإغراق فيه هروبٌ من العصر، فيما التَّماهي بواقع الآخر بوصفه مستقبلاً للأنا لا يعدو أنْ يكون إلا اسماً آخر للاستلاب، وكلاهما وجهان لحقيقة واحدة هي في حقيقتها استلاب وهروب يحققان فقدان الهوية، وتشظيها، وفقدان الوطن، وضياع الإنسان!