تتسارع التطورات على هذا الجانب بشكل كبير ولافت للنظر،حتى أن الأنباء تتحدث عن صفقة إقليمية شاملة،تشارك فيها سوريا وحزب الله وحماس مع إسرائيل، وبحيث تشمل الصفقة ،إعادة رفات الجاسوس الإسرائيلي"ايلي كوهين" من سوريا وجنود إسرائيل الثلاثة المأسورين من قبل حزب الله وحماس،مقابل إطلاق سراح عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين،وكذلك الأسرى اللبنانيين والسورين والعرب من جنسيات مختلفة،وهناك العديد من التسريبات في هذا الجانب،منها على سبيل المثال لا الحصر،أن حزب الله تنازل عن شروطه بأن تشمل الصفقة،أسرى فلسطينيينوتقتصر على الأسرى اللبنانيين،على اعتبار أن الجنديين الإسرائيليين المأسورين،هم في عداد الموتى، ورغم عدم قناعتي الشخصية بأن حزب الله وقيادته وتحديداً سماحة الشيخ حسن نصر الله، لا يمكن أن تسلك مثل هذا السلوك حتى لو كانت الافتراضية صحيحة، فالأسرى الفلسطينيين،يعلقون آمالاً كبيرة على هذه الصفقة،وتحديداً القدماء منهم،والذين أرى أن تشملهم الصفقة،لما لذلك من تأثيرات ايجابية ومعنوية،ليس على الأسرى وذويهم وعائلاتهم فقط،بل له علاقة بصدقية وثقة وجماهيرية الحزب بين الأسرى وأهاليهم وأبناء الشعب الفلسطيني، وخصوصاً أن صفقة التبادل السابقة،التي نفذها الحزب لم تلبي طموحاتهم وآمالهم،مع تفهمنا عدم قدرة الحزب على فرض شروطه في تلك الصفقة،كون الجنود الذين كانوا مأسورين متوفين،وكذلك هناك ملاحظة أخرى على الموقف السوري،فقضية تبادل رفات الجاسوس الإسرائيلي"ايلي كوهين" كانت قد طرحتها سابقاً شقيقته على الأسرى السوريين حسب ما سمعت، وتم رفضها لمجموعة من الاعتبارات،واليوم بعدما استشهد أحد رموز الحركة الأسيرة هايل أبو زيد بعد عشرين عام من الاعتقال،والأسير سيطان الولي يعيش أوضاعاً صحية غاية في الخطورة،بعد ثلاثة وعشرين عام في الأسر،حيث جرى استئصال إحدى كليتيه،ناهيك أن الأسرى السوريين القدماء،أمضوا ثلاثة وعشرين عاماً من محكوميتهم البالغة سبعة وعشرين عاماً،وبالتالي تأتي هذه الخطوة وتكون متأخرة جداً من أجل تحريرهم، وأنا لا أفهم ما هي الأسباب التي حالت دون بلورة صفقة التبادل هذه مبكراً،وقبل أن يدفع هؤلاء الأسرى ثمناً باهظاً.
أما على الصعيد الفلسطيني فالشعب الفلسطيني،دفع الكثير من الدماء والشهداء والحصار والجوع،من أجل الدفاع عن حقوقه وثوابته،ومن أجل فرض اشتراطاته فيما يخص قائمة الأسرى،التي يجب أن تشملها صفقة التبادل مع إسرائيل، والصفقة ليس بخاف على أحد،يجب أن تشمل أسرى ليس أمامهم أية فرص وآمال ،للتحرر من الأسر وفق ما يسمى ببوادر حسن النية أو أية صفقات إفراج مع السلطة الفلسطينية،فهذا النهج وهذا الطريق جربناه،ولم يثمر ولا يتوقع له أن يعطي أية نتائج ايجابية في هذا الجانب، ومن هنا فإنه من الضروري أن تشمل الصفقة اكبر عدد يمكن التفاوض حوله من الأسرى،الذين ترفض إسرائيل إطلاق سراحهم،وهم خارج تصنيفاتها وتقسيماتها واشتراطاتها،وعلى وجه الخصوص،ممن مضى على وجودهم في الأسر أكثر من خمسة عشر عاماً،وعددهم يتجاوز 360 أسير،ناهيك عن الوزراء والنواب الأسرى وغيرهم من القيادات الاعتقالية والوطنية،ومن الضروري والهام جداً أن تشتمل الصفقة على عدد من أسرى القدس والثمانية وأربعين،هذا الجزء المستثنى من الحركة الأسيرة من أية افراجات أو إطلاق سراح وفق حسن النوايا أو صفقات الإفراج ما بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ،فهذا عدا عن أنه كسر لكل معايير واشتراطات وتصنيفات وتقسيمات إسرائيل للحركة الأسيرة الفلسطينية، فإن ذلك له قيمة معنوية عالية عند أسرانا وذويهم وكل أبناء شعبنا الفلسطيني، ويعيد إليهم جزء من حالة فقدان الثقة والشعور باليأس والإحباط،الناتجة عندهم عن عدم ايلاء هذا الملف الهام الجدية والاهتمام الكافيين،كما أنه يبعث ويبقى الأمل حياً عند الكثيرين من الأسرى،بأن هناك من يضع قضيتهم على سلم أولوياته، ويناضل بكل الوسائل والأساليب من أجل تحررهم وحريتهم،وأن نضالاتهم ذات جدوى وأهمية وقيمة،وهي لم تذهب سدى.
من الواضح أنه إذا جرت عملية التبادل ،بشكل إقليمي فهو مؤشر على ترابط حلقات المقاومة،وهذه القوى ستعزز من حضورها ووجودها بين الجماهير العربية،وبالذات الفلسطينية وستعطي ثقة ومصداقية لمواقفها وأفعالها،وخصوصاً إذا ما جاءت الصفقة بحجم الطموحات التي تتوقعها وتتوخها الجماهير منها،أما إذا كانت تلك الصفقة دون حجم تلك الطموحات والوعودات والتوقعات،فإن ذلك سيفتح المجال للكثيرين،للقول بأن الثمن الذي دفع مقابل ذلك لم يكن له ما يبرره، وسنكون أمام حملة تشكيك وتحريض واسعتين، ضد قوى المقاومة،نهجها وسلوكها والنتائج التي وصلنا إليها، فمواقف وصدقية هذا القوى على المحك،فعلى سبيل المثال لا الحصر،عندما نفذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة ،أكبر عملية تبادل عام 1985، وشملت أعداداً كبيرة من الأسرى المحكومين بالسجن المؤبد،تحولت فلسطين بكل ساحاتها وشوارعها وأزقتها الى حلبات رقص ودبكة شعبية،وعم الفرح كل ساحات الوطن في الداخل والخارج، وثمن الجميع الدور النضالي العالي والمتميز للرفيق أحمد جبريل أمين عام الجبهة وقيادتها على هذه الصفقة المشرفة،وما تبعها من صفقات تبادل لم تكن بالحجم والمستوى المطلوبين،تعرض من قاموا بها الى حملة نقد واسعة في صفوف شعبنا فالأسرى وتحديداً القدماء منهم،وأسرى القدس والثمانية وأربعين ،يعلقون الكثير من الآمال على هذه الصفقة، وقد تشكل الفرصة الأخيرة أمام الكثيرين منهم، لكي لا يتحولوا من شهداء مع وقف التنفيذ الى شهداء فعليين في سجون ومعتقلات الاحتلال،وخذلانهم هذه المرة،سيكون له الكثير من الانعكاسات والتداعيات السلبية على الأسرى وعائلاتهم وذويهم،بل وعلى كل نهج وخيار المقاومة.
ومن هنا علينا أن لا نستعجل عملية التبادل تلك،إذا لم تشمل الكثير من الأسرى القدماء،والذين جاوز البعض منهم خمسة وعشرين عاماً في الأسر،فهؤلاء دفعوا ثمناً باهظاً شخصياً وأسرياً ووطنياً ونضالياً، ومن غير المعقول أن تتجاوزهم صفقة التبادل ،تحت أي ظرف من الظروف،وإذا كان الاحتلال حريصاً على إحضار رفات جاسوس له من قبل أربعين عاماً،فعلينا أن نتعلم من هذا العدو في هذا الجانب،وأن نعطي أسرانا ومناضلينا القيمة والاهتمام والرعاية اللواتي يستحقونها،وأن نوحد كل جهودنا وطاقاتنا من أجل إطلاق سراحهم ونحررهم من سجون الاحتلال الإسرائيلي.